سيد محمد طنطاوي

50

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الكاف - من التنكيس . وقرأه الباقون : * ( نُنَكِّسْه ) * - بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشيء أنكسه نكسا إذا قلبته على رأسه فانتكس . قال قتادة : المعنى : أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا . . . قال الشاعر : من عاش أخلقت الأيام جدّته وخانه ثقتاه السمع والبصر فطول العمر يصير الشباب هرما ، والقوة ضعفا ، والزيادة نقصا . . وقد استعاذ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر . . « « 1 » . والمعنى : « ومن نطل عمره ننكسه في الخلق » أي : نرده إلى أرذل العمر ، فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا ، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا ، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله . . . * ( أَفَلا يَعْقِلُونَ ) * ذلك - أيها الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم ، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإنسان من ضعف إلى قوة ، ومن قوة إلى ضعف . . قادر - أيضا - على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ « 2 » . وقوله - سبحانه - ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً « 3 » . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا في كفرهم ، وبينت جانبا من فضل اللَّه - تعالى - عليهم ، لعلهم يفيئون إلى رشدهم ، ويشكرونه على نعمه . ثم رد - سبحانه - على الكافرين الذين وصفوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم بأنه شاعر ، كما قالوا عن القرآن أنه شعر ، فقال - تعالى - : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 69 إلى 70 ] وما عَلَّمْناه الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَه إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ويَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 )

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 51 . ( 2 ) سورة الروم آية 54 . ( 3 ) سورة النحل الآية 70 .